ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
175
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
ولو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة * كفاني ولم أطلب قليل من المال ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل * وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي تقديره : كفاني قليل من المال ؛ فاعترض بين الفعل والفاعل بقوله : « ولم أطلب » وفائدته تحقير المعيشة وأنها تحصل بغير طلب ولا عناء ، وإنما الذي يحتاج إلى الطلب هو المجد المؤثل . وكذلك قول جرير « 1 » : ولقد أراني والجديد إلى بلى * في موكب طرف الحديث كرام تقديره : ولقد أراني في موكب طرف الحديث ؛ فاعترض بين المفعولين ، وإنما جاء بهذا الاعتراض تعزّيا عما مضى من تلك اللذة وذلك النعيم الذي فاز به من عشرة أولئك الأحباب ، ولقد أعهدني في كذا وكذا من اللذة ، وذلك قد مضى وسلف وبلي جديده ، وكذلك كلّ جديد فإنه إلى بلى . والاعتراض إذا كان هكذا كسا الكلام لطفا إن كان غزلا ، وكساه أبهة وجلالا إن كان مديحا أو ما يجري مجراه من أساليب الكلام ، وإن كان هجاء كساه تأكيدا وإثباتا ، كقول كثير « 2 » : لو انّ الباخلين وأنت منهم * رأوك تعلّموا منك المطالا فقوله « وأنت منهم » من محمود الاعتراض ونادره ، وفائدته هاهنا التصريح بما هو المراد ، وتقدير هذا الكلام قبل الاعتراض : لو أن الباخلين رأوك ؛ فاعترض بين اسم إنّ وهو الباخلين وبين خبرها وهو رأوك بالمبتدإ والخبر الذي هو « وأنت منهم » . ومن محاسن ما جاء في هذا الباب قول المضرب السعدي « 3 » :
--> ( 1 ) هو من قصيدة له من نقائضه مع الفرزدق ، وتقدم ذكر أبيات منها وفي أثنائها هذا البيت فانظر ( ص 115 من هذا الجزء ) . ( 2 ) هو بيت مفرد ثابت في ديوانه ( 1 - 151 ) . ( 3 ) كذا وقع في ا ، ب ، ج ، نسبة هذين البيتين للمضرب السعدي ، وهما من شعر الحماسة ( انظر شرح التبريزي : 1 - 125 ) وهما لسوّار بن المضرب السعدي فلعل أصل العبارة « قول ابن المضرب السعدي » فسقطت كلمة ابن .